عمر السهروردي
45
عوارف المعارف
وعلوم هؤلاء القوم لا تحصل مع محبة الدنيا ، ولا تنكشف إلا بمجانبة الهوى ، ولا تدرس إلا في مدرسة التقوى . قال اللّه تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ « 1 » جعل العلم ميراث التقوى . وغير علوم هؤلاء القوم متيسر من غير ذلك بلا شك . فعلم فضل علم علماء الآخرة حيث لم يكشف النقاب إلا لأولى الألباب ، وأولوا الألباب حقيقة هم الزاهدون في الدنيا . قال بعض الفقهاء : إذا أوصى رجل بماله لأعقل الناس يصرف إلى الزهاد ، لأنهم أعقل الخلق . قال سهل بن عبد اللّه التستري : للعلم ألف اسم ، ولكل اسم منه ألف اسم ، وأول كل اسم منه ترك الدنيا . حدثنا الشيخ الصالح أبو الفتح محمد بن عبد الباقي ، قال : أنا أبو الفضل أحمد بن أحمد ، قال أنا الحافظ أبو نعيم الأصفهاني ، قال حدثنا محمد بن أحمد بن محمد ، قال حدثنا العباس بن أحمد الشاشي ، قال حدثنا أبو عقيل الوصافي ، قال أنا عبد اللّه الخواص ، وكان من أصحاب حاتم ، قال : دخلت مع أبي عبد الرحمن حاتم الأصم الري ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلا يريدون الحج ، وعليهم الصوف والزرمانقات ، ليس معهم جراب ولا طعام . فدخلنا الري على رجل من التجار متنسك يحب المتقشفين ، فأضافنا تلك الليلة ، فلما كان من الغد قال لحاتم : يا أبا عبد الرحمن آلك حاجة فإني أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل ؟ فقال حاتم : إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل ، والنظر إلى الفقيه عبادة ، فأنا أيضا أجى معك . وكان العليل محمد بن مقاتل قاضى الري ، فقال : سر بنا يا أبا عبد الرحمن .
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 282 .